السيد الطباطبائي

400

تفسير الميزان

( كلام في استناد مصنوعات الانسان إلى الله سبحانه ) فما أغفل هؤلاء الذين يعدون الصناعيات من الأشياء التي يعملها الانسان مصنوعة مخلوقة للانسان مقطوعة النسبة عن إله العالم عز اسمه مستندين إلى أنها مخلوقة لإرادة الانسان واختياره . فطائفة منهم - وهم أصحاب المادة من المنكرين لوجود الصانع - زعموا أن حجة الملليين في إثبات الصانع : أنهم وجدوا في الطبيعة حوادث وموجودات جهلوا عللها المادية ولزمهم من جهة القول بعموم قانون العلية والمعلولية في الأشياء والحوادث أن يحكموا بوجود عللها - وهي مجهولة لهم بعد - فأنتج ذلك القول بأن لهذه الحوادث المجهولة العلة علة مجهولة الكنه هي وراء عالم الطبيعة ، وهو الله سبحانه ، فالقول بأن الصانع موجود فرضية أوجب افتراضها ما وجده الانسان الأولى من الحوادث المادية المجهولة العلل كالحوادث الجوية وكثير من الحوادث الأرضية المجهولة العلل ، وما وجده من الحوادث والخواص الروحية التي لم يكشف العلوم عن عللها المادية حتى اليوم . قالوا : وقد وفق العلوم في تقدمها الحديث لحل المشكل في الحوادث المادية وكشفت عن عللها فأبطلت من هذه الفرضية أحد ركنيها وهو احتياج الحوادث المادية المجهولة العلل إلى علل ورائها ، وبقي الركن الآخر وهو احتياج الحوادث الروحية إلى عللها ، وانتهائها إلى علة مجردة ، وتقدم البحث في الكيمياء الآلي جديدا يعدنا وعدا حسنا أن سيطلع الانسان على علل الروح ويقدر على صنعة الجراثيم الحيوية وتركيب أي موجود روحي وإيجاد أي خاصة روحية ، وعند ذلك ينهدم أساس الفرضية المذكورة ويخلق الانسان في الطبيعة أي موجود شاء من الروحيات كما يخلق اليوم أي شئ شاء من الطبيعيات ، وقد كان قبل اليوم لا يرضى أن ينسب الخلق إلا إلى علة مفروضة فيما وراء الطبيعة ، حمله على افتراضها الجهل بعلل الحوادث ، هذا ما ذكروه . وهؤلاء المساكين لو أفاقوا قليلا من سكرة الغفلة والغرور لرأوا أن الإلهيين من أول ما أذعنوا بوجود إله للعالم - ولن يوجد له أول - أثبتوا هذه العلة الموجدة لجميع العالم ، وبين اجزائه حوادث معلومة العلل - وفيها حوادث مجهولة العلل -